بقلم : وضحى الجهوري
(نحن نطلق كلمة الغريزة على كل ما نجده في أنفسنا ، ولا نستطيع أن نعثر عليه على أساس عقلي ، إن عبادة هذا الصنم (الغريزة) لهو أكثر انحطاطا بكثير من عبادة الأصنام الأخرى ، وأشد ضررا من جميع العبادات الأخرى الزائفة التي تسود عصرنا الحاضر ، بل أن عبادة (الغريزة) لتمثل الدعامة الرئيسية لجميع العبادات الأخرى ، وسوف تظل قائمة ، في الأعم الأغلب ، إلى أن تتراجع أمام علم نفس سليم يكشف عن الجذور الحقيقية لكثير مما ننحني أمامه بوصفه نية “الطبيعة ” وخطة ” الله ” وأوامره ).
– جون ستيوارت مل –

تأخذني أحيانا حيرتي عبر ضفاف الألم .. وكلما تساءلت مع نفسي عن مبررات أمور أراها تحدث أمامي دون أن أفهمها .. دون أن تتضح المعالم فيها .. أبحث عن مخرج .. أتلفت حولي .. فلا أجد سوى كتل الضباب تحاصرني .. تشل حركتي .. ومع ذلك .. مع هذا الألم وهذا التيه .. يتسلل الأمل ليملأ وجودي .. أشعر أن متعة كبرى في انتظاري كلما كنت أكثر إصرارا وتحديا .. ما أقوم به .. الآن وهنا .. هو أن أضع طوبة في بناء وضع غيري فيه جدرانا من الطوب .. قد لا أعيش المنجز .. لا أتذوق طعم النصر .. ولكني حتما سأبقى في نفوس أخرى تأتي بعدي .. لتعيشه .. ولكن هذه التجربة بحلوها ومرها .. علمتني ماذا يعني أن أؤمن بالشيء وأن أدافع عنه .. وأن بدون قناعتي التامة فيه .. قناعة لا تشوبها الشكوك .. لن أستطع أن أقنع غيري مهما أوتيت من علم ومهارة تواصل .. إيماني هو الذي ينتشلني من كتل الضباب وينير الطريق أمامي .
منذ وعيت للدنيا رأيت من حولي رجالا ونساء .. تم تقسيم العمل بينهم ، بالقوانين وبالقوة .
ترعرعت على كرسي الدراسة ، وقرأت عن الملكة بلقيس التي ذكرها القرآن الكريم ذكرا حسنا ، في نفس العام الذي عرفت فيه حديث الرسول صلى الله عليه وسلم : بئس قوم ولوا أمرهم امرأة ، أو خاب قوم ولوا أمرهم امرأة .

وكنت أتساءل هل جاء القرآن الكريم بشيء ، وجاءت السنة النبوية بشيء آخر مخالف لها ؟.
كانت بلقيس ملكة عظيمة ذات جاه وقوة ومكانة ، وصفه الهدهد بقوله: {إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ}. [النمل:23] ، وقد دعاها سليمان إلى عبادة الله ، ونهاها عن التعالي والرفض ، فلما تلقت كتابه ، لزمت التأني وعدم تعجّل الرد ، فهي لا تعلم عنه إن كان من الباحثين عن الجاه والسطوة أم نبي مرسل، وتباحثت في الأمر مع رجال الدولة الذين كانوا على ثقة برأيها وقرارها فساندوها وأكدوا لها أنهم معها في القرار الذي ستتخذه {نحنُ أُولُوا قُوَةٍ وَأُولُوا بَأسٍ شَديدٍ وَالأمرُ إِليكِ فَانظُرى مَاذَا تَأمُرِينَ} . [النمل:33]
ولم يأخذها التكبر والتعالي بما تملكه من قوة ونفوذ وطاعة وثقة قومها ، بل قالت : علينا أن نختبر سليمان هذا لنعرفه ، ولما التقت بسليمان بقيت على ذكائها وحكمتها ، تدرس أحواله ، وتراجع سلوكه ، وتستوعب فكره ، فعرفت أنه نبي مرسل ، نبي صالح ، وتذكر الكتاب الذي أرسله إليها {إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} [النمل:30-31]ثم قررت طرح وثنيتها الأولى والدخول في دين الله قائلة: { رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِى وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } . [النمل:44]
فهل خاب قوم ولوا أمرهم امرأة بهذه الاستنارة والتفكير وحسن التدبير ؟ إن هذه المرأة خير من الرجل الذي دعته ثمود لقتل الناقة والإساءة لنبيهم صالح {فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ * فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ * إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَضرِ *وَلَقَد يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ}. [القمر29-32]
قرأت أن الرجل هو الحاكم والقائد والسيد ، وعرفت أن هناك نقاشا لا ينتهي عن الإمامة الكبرى وهي حكم دولة الإسلام ، وأن المرأة أضعف من أن تصبح حاكما ، ولا يليق بأنوثتها وطبيعتها الجسدية وعقليتها القاصرة أن تتعدى حدود مهامها الموكلة لها من طبخ ونفخ وكنس وحمل وإرضاع .. وبالتالي يجب منعها عن الحكم .
في سن صغيرة ، كنت أتساءل .. سؤالا بسيطا للغاية : إذا كانت المرأة غير مؤهلة فطريا منذ خلقها الله لأن تحكم فلماذا يضعون قوانين منعها عن الحكم ؟!.
كان سؤالا يقع من مكانا ما ويشغل تفكيري ، ففي كل شؤون حياتنا توضع القوانين بهدف معين وأسباب منطقية ، إذا كان الضعف والعجز حجر عثرة أمام أن تحكم المرأة بحيث من الاستحالة أن تحكم وتسيّر الدول فما الداعي لوضع قوانين تمنعها مما لم تخلق له ؟.
هل يوجد قانون يمنع الرجل من الحمل والإرضاع ؟.. طبعا لا لأن الرجل غير مؤهل جسديا للقيام بهذه المهمة لذا انتفي سبب طرح قانون حوله .
هل المرأة مؤهلة جسديا للحكم .. يقولون : لا غير مؤهلة جسديا .. لماذا إذا وضعوا قوانين باسم الثلاثي : الدين والقانون والطبيعة لمنعها ؟
أنا لا يشغلني كثيرا أن المرأة يجب أن تحكم كنوع ، أي لا أريد أن أصور أن المرأة تتفوق على الرجل في مهارة السلطة وسيادة الدول ، ما أريد بيانه أن من يحكم يجب أن يكون الأكفأ في الدولة ، الأخذ باعتبار الكفاءة والقدرة وليس باعتبار الجنس .
انبشوا التاريخ لنعرف إذا كانت المرأة قد حكمت وأدارت دولا أم أنها عجزت عن ذلك ، انبشوا التاريخ الذي يحاول البعض طمسه وإخفاء الحقائق والتستر على أسماء النساء القياديات في العالم الإسلامي ، فماذا يقول التاريخ :
لقد حكمت المرأة في عالمنا الإسلامي ، وفي تلك الفترات التي احتاجت فيها الدول لقيادة تنجيها من تدهور الأوضاع لم تتمسك برأيها في أن لا تحكم المرأة ، ولا أدري هل قاموا بغض الطرف عن الأمر أو اعتباره حالة استثنائية لا بأس إن سجلها التاريخ ؟ هذا جانب يتطلب دراسة وبحثا مطولا لا يسعنا التطرق إليه هنا ، إلى أن أي حديث عن نساء حكمن في العالم الإسلامي يجب أن يشير للحالات الأكثر شهرة وتأثيرا في مجرى الأحداث ، وأبرزها الملكة شجر الدر التي حكمت مصر بعد وفاة زوجها الملك الصالح بن أيوب ، ثم تزوجت الأمير عز الدين أيبك ليكون مجرد واجهة تحكم من ورائه ولكنه عندما حاول الغدر بها دبّرت له المؤامرة وقتلته في قصرها ، لقد استولت شجر الدر على الحكم كأي قائد عسكري يفرض نفسه بمهارته في قراءة الأحداث ورسم الخطط المستقبلية ، كما أنها قادت المسلمين إلى الانتصار خلال الحروب الصليبية وهزيمة الجيش الفرنسي ، وأسرت ملكهم لويس التاسع ، ما شد انتباهي في سيرة شجر الدر أنها استطاعت أن تصدر المراسيم وعليها توقيعها باسم والدة خليل ، وخطب في أيام الجمعة باسمها على منابر مصر ، وهو أمر قلما يتاح لامرأة في العالم العربي المسلم .
ومن النساء اللواتي اشتغلن في السياسة والحكم عائشة الحرة ملكة غرناطة وزوجة الملك علي أبو الحسن التي لعبت دورا بالغ الأهمية في الأحداث التاريخية في الأندلس خصوصا بعد استسلام زوجها لإغراء الأسبانية إيزابيل ، التي دخلت الإسلام وأصبح اسمها ثريا ، وقام الملك بإقصاء عائشة إرضاء لجاريته ، وانشغل عن الأوضاع المتدهورة للمسلمين والشقاق بينهم وقرب أفول حضارتهم ، فهربت عائشة إلى خارج قصره ونظّمت سلسلة من الهجمات على القصر أدارتها بنفسها ، إلى أن سقط الملك الخائن وأجلست على العرش ابنها محمد ووقفت بجواره تشاركه الحكم ، وقد أثارت هذه الشخصية إعجاب أعدائها خلال فترة النكبة ، لما تمتلكه من مهارة قيادية وشخصية قوية .
أما في اليمن، فلا يخفى على أحد الملكات أسماء وأروى اللتين حكمتا صنعاء في نهاية القرن الحادي عشر، وكانت شخصية أروى أكثر بروزا في سير الأحداث مقارنة بأسماء ؛ وذلك لأن الفترة التي شاركت فيها أسماء زوجها مؤسس المملكة الصليحية الحكم كانت قصيرة ، أما الملكة أروى فقد حكمت قرابة نصف قرن، حيث سهرت على شؤون الدولة ووضعت الخطط الحربية.
استمرت الملكة أروى في الحكم ، تقوم بتدبير المملكة ويجتمع عندها الوزراء، وكان يدعى لها على منابر اليمن ، فيخطب أولاً للمستنصر ، ثم للصليحي، ثم للحرة ( لها ) ، امتازت بحسن الإدارة والمعرفة الواسعة بأحوال الناس ، وعندما ضعف ملك الصليحيين ، تحصّنت بذي جبلة واستولت على ما حوله من الأعمال والحصون ، وامتدت أيامها بعد ذلك أربعين سنة ، توفيت ولها مآثر وسبل وأوقاف كثيرة ، وهي آخر ملوك الصليحيين .
ومن الأسماء التي لا تذكر : زينب النفزاوية التي شاركت زوجها يوسف بن تاشفين الحكم، والتي تصفها المراجع بالقائمة بملكه ، حيث كانت تقوم بإدارة الحكم ، وقد امتدت سلطتهما حتى إسبانيا.

صور الاعلان

التعليقات

لبنانيه
منذ 11 سنة
#1

يتبع
ومن القياديات المحنكات غالية البقمية الوهابية التي قادت المقاومة العسكرية في الجزيرة العربية، ودافعت عن مكة ضد الأطماع الأجنبية، ونظراً لجسارتها ومواهبها الإستراتيجية، اعتقد أعداؤها الذين واجهوها في ساحة المعركة بأنها ساحرة.
لعبت غالية دوراً بارزاً في مواجهة القوات التي أرسلها محمد علي باشا إلى الجزيرة العربية للقضاء على الحركة الوهابية ، وفي معركة البقوم والأتراك ، وكتب عنها أعداؤها قبل أصدقائها فقالوا داعية كبيرة للإسلام وقالوا أنها ساحرة وأن الجن في خدمتها ، وشبهها الفرنسيون ببطلتهم (جان دارك) التي اشتهرت ببطولتها الخارقة في محاربة الإنجليز .
ومن ملكات الفاطميين بمصر ست الملك ظهرت للأحداث في فترة حكم أخيها الحاكم بأمر الله ، الخليفة الفاطمي السادس ، الذي تميز حكمه بالظلم والاستبداد والإمعان في قتل الوزراء والكتاب ورؤساء العشائر وذوي النفوذ ، أحرق القاهرة ومنع سكانها من العمل في النهار وأمرهم بالعمل في الليل حتى يخرج بموكبه إلى الشوارع ليلاً فيراها تضج بالحركة ، استفاق ذات يوم ليعلن ألوهيته ويطالب رعيته بعبادته .
ولم تقف الأميرة موقف المتفرج فكانت تسدي النصح والإرشاد للخليفة الذي لم يأخذ بذلك مأخذ الجد وازداد تبرماً وأظهر لها العداء وحقد عليها ، ويشاء الله أن تبقي مصر تحت وطأة الجور والظلم قرابة ربع قرن ، حتى خرج الحاكم بأمر الله في أحد الأيام ولم يعد ، وعلى أثر ذلك قامت ست الملك بتنصيب ابن أخيها الملقب بالظاهر ليتولي الخلافة وهو على أعتاب السابعة عشرة من العمر ، واستطاع الخليفة الصغير بوحي من عمته ست الملك إصلاح الأمور فألغى الكثير من المراسيم التي أصدرها أبيه ، وحافظت ست الملك على توطيد أركان الدولة الفاطمية بفطنة ودهاء خاصة بعد أن ترامى إلى مسامعها نبأ خروج عزيز الدولة فاتك التوحيدي والي حلب عن إمرة الدولة فاحتالت ست الملك عليه لتصانعه ، وأرسلت له الهدايا والأموال في الوقت الذي دبرت فيه غلاماً فدسته لقتله ، وجعلت من ولاية حلب مكافأة له .
كما أنها سعت إلى الصلح ومهادنة الدولة البيزنطية تأميناً لحدود مصر الشمالية وأوفدت إلى قيصر القسطنطينية سفيراً ليعمل على عقد الصداقة بين الدولتين .
واستمرت الأميرة لثلاث أعوام بعد مصرع أخيها تدبر شئون الدولة وتدير أمورها بهمة وبراعة حتى وفاتها .
و تركان خاتون زوجة السلطان تكش رسلان من السلاجقة ، كانت ذات مهابة ورأي ، وكانت إذا رفعت إليها المظالم تحكم فيها بالعدل والإحسان ، وتنصف المظلوم ، وكان توقيعها (عصمة الدنيا والدين ملكة نساء العالمين) .
والسلطانة رضية سلطانة الهند التي تنحدر من أسرة تركية من المماليك ، تولت السلطة في دلهي بعد وفاة والدها ، وهو أحد القادة العسكريين الذين أرسوا دعائم الدولة الإسلامية في الهند ، كان والدها السلطان قد اختارها بدل أخويها ؛ لذكائها ومواهبها في إدارة شؤون البلاد ، وعدم قدرة أخويها ، وكان أول قرار ملكي أصدرته ، سك النقود باسمها واختيار لقب لها هو ( رضية الدنيا والدين ) ، وعندما حاول أمراء الحاشية والجيش إبعادها عن العرش، مترافقاً مع قيام أخيها الأكبر بقتل أخيها الأصغر ، باءت محاولاتهم بالفشل حيث اعتمدت على الشعب الذي ثار ضد أخيها وأمرت بقتله .
والسلطانة خديجة سلطانة الهند واسمها خديجة بنت عمر بن صلاح الدين البنجالي من سلطانات الهند ، نشأت وترعرعت في بلاط أبيها ، وتلقت فيه العلم والثقافة ، ولما توفى والدها خلفه في السلطنة أخوها شهاب الدين فكان سيء السيرة فخلعه الشعب ونادى بأخته خديجة سلطانة على عرش أبيها ، فقامت بشؤون الدولة والرعية .
إضافة لما ذكرت هناك العشرات من النساء الحاكمات ، أما في العصر الحديث فمنهن : بي نظير بوتو رئيسة وزراء باكستان ، وميجاواتي رئيسة اندونيسيا أكبر الدول الإسلامية سكانا ، وفاطمة جوادي نائبة الرئيس الإيراني .
هذا بالنسبة للعالم العربي والإسلامي أما الغرب فأشهرهن : الملكة إليزابيث التي حكمت انجلترا ، وكان عهدها من أزهى العصور في التاريخ الانجليزي ، وجان دارك القديسة الفرنسية التي حاربت الانجليز الذين احتلوا وطنها وهزمتهم بإرادتها الحديدية في كثير من المعارك ، إلى أن تمكن منها الأعداء وأعدموها حرقا، وملكة انجلترا العظيمة فيكتوريا التي حكمت انجلترا ما يقارب الثلاثين عاما، وبلغت البلاد خلال حكمها الطويل أوج عظمتها وازدهارها حتى لقب عصر بأكمله باسمها ( العصر الفكتوري).
وفضلا عن الملكات هناك الوصيات على العرش منهن آن دي بوجيه الذي جعلها الملك الفرنسي شارل الثامن وصية عليه ، كما جعل الملك لويس التاسع عشر أمه وصية عليه ، وكانت أكبر مستشاريه حتى وفاتها ، و مرجريت النمساوية ابنة الإمبراطور مكسميليان الأول نائبة عن الملك في الأراضي المنخفضة ، ووصية على ابن أخيها شارل الخامس وتعد لدى المؤرخين من أقدر الشخصيات السياسية في عصرها لما تتسم من حكمة واعتدال .
وفي العصر الحديث لا يخفى على أحد شخصية المرأة الحديدية تاتشر رئيسة وزراء بريطانيا .
وأنا أكتب هذه السطور توجد تسع دول ترأسها نساء هي البرازيل والأرجنتين وفنلندا وأيرلندا والهند وليبيريا وليتوانيا والفلبين وسويسرا ، فما نوع الخيبة التي وقعت فيها هذه الدول ؟
يقال إن نسبة عدد الملوك يفوق نسبة عدد الملكات ، وكثيرا ما يبررون ويعللون وصول المرأة للحكم كان عن طريق الوراثة ، ولم تنتزعه انتزاعا بالحيلة أو القوة إلا في حالات قليلة ، أنا لا أنكر ذلك ، وإذا كان من الصعب أن تحكم فلأنهم هم لا يريدون ذلك ولا يتقبلونه ، وإلا ما معنى نجاحها برغم أنها استلمت الحكم وهم مكرهون لكونها وريثة ؟ وفي الوقت الحاضر بالانتخاب ؟ .. وما الهدف من أن تكون الوصية على العرش أو القائمة على الملك ليكون لها فضل إدارة الدولة ويكون لغيرها الشهرة والاسم اللامع في سجلات التاريخ ؟.
لقد أثبتت النساء اللواتي حكمن عبر التاريخ كفاءة عالية ومهارة نادرة في الحكم وتسيير أمور الدول ، وفي هذه الناحية فإن الخصائص الطبيعية في المرأة من ضعف وقلة حيلة وعدم تمرس وغيرها من المبررات التي يسوقونها لم تظهر هنا ، إذ تميزت المرأة في حكمها بالذكاء والحزم والصلابة والجلد .
أرى أن نعيد النظر والتأمل في الحديث الشريف ، الذي يعطينا العديد من الفقهاء والعلماء المعتدلين رأيهم فيه ، فعندما كانت فارس تتهاوى أمام الفتح الإسلامي كان حكمها قائم على نظام ملكي مستبد ، وبعد أن انهزمت الجيوش الفارسية أمام الرومان الذين أحرزوا نصرا مبينا بعد هزيمة كبرى ، وأخذت مساحة الدولة تتقلص كان بالإمكان أن يتولى الأمر قائد عسكري يوقف سيل الهزائم ، لكن الوثنية السياسية جعلت الأمة والدولة ميراثا لفتاة قليلة الخبرة والتمرس السياسي ، فكان ذلك إيذانا بسقوط الدولة ، فجاء تنبأ الرسول في تلك المقولة وصفا للأوضاع التي تعيشها فارس .
من وجهة نظري فالأمر برمته يدور حول الحق والعدالة والإنصاف بين الناس ، وليس جنس الحاكم ، فكل دولة لا تقوم على العدالة تأفل وتزول سواء حكمها رجل أو امرأة ، ودعونا هنا نتذكر قول ابن تيمية: إن الله قد ينصر الدولة الكافرة بعدلها على الدولة المسلمة بما يقع فيها من مظالم؟.
وقول الشيخ محمد الغزالي رحمة الله عليه : ما دخل الذكورة والأنوثة هنا؟ امرأة ذات دين خير من ذي لحية كفور!!.

لبنانيه
منذ 11 سنة
#2

يتبع
ومن القياديات المحنكات غالية البقمية الوهابية التي قادت المقاومة العسكرية في الجزيرة العربية، ودافعت عن مكة ضد الأطماع الأجنبية، ونظراً لجسارتها ومواهبها الإستراتيجية، اعتقد أعداؤها الذين واجهوها في ساحة المعركة بأنها ساحرة.
لعبت غالية دوراً بارزاً في مواجهة القوات التي أرسلها محمد علي باشا إلى الجزيرة العربية للقضاء على الحركة الوهابية ، وفي معركة البقوم والأتراك ، وكتب عنها أعداؤها قبل أصدقائها فقالوا داعية كبيرة للإسلام وقالوا أنها ساحرة وأن الجن في خدمتها ، وشبهها الفرنسيون ببطلتهم (جان دارك) التي اشتهرت ببطولتها الخارقة في محاربة الإنجليز .
ومن ملكات الفاطميين بمصر ست الملك ظهرت للأحداث في فترة حكم أخيها الحاكم بأمر الله ، الخليفة الفاطمي السادس ، الذي تميز حكمه بالظلم والاستبداد والإمعان في قتل الوزراء والكتاب ورؤساء العشائر وذوي النفوذ ، أحرق القاهرة ومنع سكانها من العمل في النهار وأمرهم بالعمل في الليل حتى يخرج بموكبه إلى الشوارع ليلاً فيراها تضج بالحركة ، استفاق ذات يوم ليعلن ألوهيته ويطالب رعيته بعبادته .
ولم تقف الأميرة موقف المتفرج فكانت تسدي النصح والإرشاد للخليفة الذي لم يأخذ بذلك مأخذ الجد وازداد تبرماً وأظهر لها العداء وحقد عليها ، ويشاء الله أن تبقي مصر تحت وطأة الجور والظلم قرابة ربع قرن ، حتى خرج الحاكم بأمر الله في أحد الأيام ولم يعد ، وعلى أثر ذلك قامت ست الملك بتنصيب ابن أخيها الملقب بالظاهر ليتولي الخلافة وهو على أعتاب السابعة عشرة من العمر ، واستطاع الخليفة الصغير بوحي من عمته ست الملك إصلاح الأمور فألغى الكثير من المراسيم التي أصدرها أبيه ، وحافظت ست الملك على توطيد أركان الدولة الفاطمية بفطنة ودهاء خاصة بعد أن ترامى إلى مسامعها نبأ خروج عزيز الدولة فاتك التوحيدي والي حلب عن إمرة الدولة فاحتالت ست الملك عليه لتصانعه ، وأرسلت له الهدايا والأموال في الوقت الذي دبرت فيه غلاماً فدسته لقتله ، وجعلت من ولاية حلب مكافأة له .
كما أنها سعت إلى الصلح ومهادنة الدولة البيزنطية تأميناً لحدود مصر الشمالية وأوفدت إلى قيصر القسطنطينية سفيراً ليعمل على عقد الصداقة بين الدولتين .
واستمرت الأميرة لثلاث أعوام بعد مصرع أخيها تدبر شئون الدولة وتدير أمورها بهمة وبراعة حتى وفاتها .
و تركان خاتون زوجة السلطان تكش رسلان من السلاجقة ، كانت ذات مهابة ورأي ، وكانت إذا رفعت إليها المظالم تحكم فيها بالعدل والإحسان ، وتنصف المظلوم ، وكان توقيعها (عصمة الدنيا والدين ملكة نساء العالمين) .
والسلطانة رضية سلطانة الهند التي تنحدر من أسرة تركية من المماليك ، تولت السلطة في دلهي بعد وفاة والدها ، وهو أحد القادة العسكريين الذين أرسوا دعائم الدولة الإسلامية في الهند ، كان والدها السلطان قد اختارها بدل أخويها ؛ لذكائها ومواهبها في إدارة شؤون البلاد ، وعدم قدرة أخويها ، وكان أول قرار ملكي أصدرته ، سك النقود باسمها واختيار لقب لها هو ( رضية الدنيا والدين ) ، وعندما حاول أمراء الحاشية والجيش إبعادها عن العرش، مترافقاً مع قيام أخيها الأكبر بقتل أخيها الأصغر ، باءت محاولاتهم بالفشل حيث اعتمدت على الشعب الذي ثار ضد أخيها وأمرت بقتله .
والسلطانة خديجة سلطانة الهند واسمها خديجة بنت عمر بن صلاح الدين البنجالي من سلطانات الهند ، نشأت وترعرعت في بلاط أبيها ، وتلقت فيه العلم والثقافة ، ولما توفى والدها خلفه في السلطنة أخوها شهاب الدين فكان سيء السيرة فخلعه الشعب ونادى بأخته خديجة سلطانة على عرش أبيها ، فقامت بشؤون الدولة والرعية .
إضافة لما ذكرت هناك العشرات من النساء الحاكمات ، أما في العصر الحديث فمنهن : بي نظير بوتو رئيسة وزراء باكستان ، وميجاواتي رئيسة اندونيسيا أكبر الدول الإسلامية سكانا ، وفاطمة جوادي نائبة الرئيس الإيراني .
هذا بالنسبة للعالم العربي والإسلامي أما الغرب فأشهرهن : الملكة إليزابيث التي حكمت انجلترا ، وكان عهدها من أزهى العصور في التاريخ الانجليزي ، وجان دارك القديسة الفرنسية التي حاربت الانجليز الذين احتلوا وطنها وهزمتهم بإرادتها الحديدية في كثير من المعارك ، إلى أن تمكن منها الأعداء وأعدموها حرقا، وملكة انجلترا العظيمة فيكتوريا التي حكمت انجلترا ما يقارب الثلاثين عاما، وبلغت البلاد خلال حكمها الطويل أوج عظمتها وازدهارها حتى لقب عصر بأكمله باسمها ( العصر الفكتوري).
وفضلا عن الملكات هناك الوصيات على العرش منهن آن دي بوجيه الذي جعلها الملك الفرنسي شارل الثامن وصية عليه ، كما جعل الملك لويس التاسع عشر أمه وصية عليه ، وكانت أكبر مستشاريه حتى وفاتها ، و مرجريت النمساوية ابنة الإمبراطور مكسميليان الأول نائبة عن الملك في الأراضي المنخفضة ، ووصية على ابن أخيها شارل الخامس وتعد لدى المؤرخين من أقدر الشخصيات السياسية في عصرها لما تتسم من حكمة واعتدال .
وفي العصر الحديث لا يخفى على أحد شخصية المرأة الحديدية تاتشر رئيسة وزراء بريطانيا .
وأنا أكتب هذه السطور توجد تسع دول ترأسها نساء هي البرازيل والأرجنتين وفنلندا وأيرلندا والهند وليبيريا وليتوانيا والفلبين وسويسرا ، فما نوع الخيبة التي وقعت فيها هذه الدول ؟
يقال إن نسبة عدد الملوك يفوق نسبة عدد الملكات ، وكثيرا ما يبررون ويعللون وصول المرأة للحكم كان عن طريق الوراثة ، ولم تنتزعه انتزاعا بالحيلة أو القوة إلا في حالات قليلة ، أنا لا أنكر ذلك ، وإذا كان من الصعب أن تحكم فلأنهم هم لا يريدون ذلك ولا يتقبلونه ، وإلا ما معنى نجاحها برغم أنها استلمت الحكم وهم مكرهون لكونها وريثة ؟ وفي الوقت الحاضر بالانتخاب ؟ .. وما الهدف من أن تكون الوصية على العرش أو القائمة على الملك ليكون لها فضل إدارة الدولة ويكون لغيرها الشهرة والاسم اللامع في سجلات التاريخ ؟.
لقد أثبتت النساء اللواتي حكمن عبر التاريخ كفاءة عالية ومهارة نادرة في الحكم وتسيير أمور الدول ، وفي هذه الناحية فإن الخصائص الطبيعية في المرأة من ضعف وقلة حيلة وعدم تمرس وغيرها من المبررات التي يسوقونها لم تظهر هنا ، إذ تميزت المرأة في حكمها بالذكاء والحزم والصلابة والجلد .
أرى أن نعيد النظر والتأمل في الحديث الشريف ، الذي يعطينا العديد من الفقهاء والعلماء المعتدلين رأيهم فيه ، فعندما كانت فارس تتهاوى أمام الفتح الإسلامي كان حكمها قائم على نظام ملكي مستبد ، وبعد أن انهزمت الجيوش الفارسية أمام الرومان الذين أحرزوا نصرا مبينا بعد هزيمة كبرى ، وأخذت مساحة الدولة تتقلص كان بالإمكان أن يتولى الأمر قائد عسكري يوقف سيل الهزائم ، لكن الوثنية السياسية جعلت الأمة والدولة ميراثا لفتاة قليلة الخبرة والتمرس السياسي ، فكان ذلك إيذانا بسقوط الدولة ، فجاء تنبأ الرسول في تلك المقولة وصفا للأوضاع التي تعيشها فارس .
من وجهة نظري فالأمر برمته يدور حول الحق والعدالة والإنصاف بين الناس ، وليس جنس الحاكم ، فكل دولة لا تقوم على العدالة تأفل وتزول سواء حكمها رجل أو امرأة ، ودعونا هنا نتذكر قول ابن تيمية: إن الله قد ينصر الدولة الكافرة بعدلها على الدولة المسلمة بما يقع فيها من مظالم؟.
وقول الشيخ محمد الغزالي رحمة الله عليه : ما دخل الذكورة والأنوثة هنا؟ امرأة ذات دين خير من ذي لحية كفور!!.